يعقوب ولد حمزة شيخ مقاطعة كرمسين

يعقوب ولد حمزة شيخ مقاطعة كرمسين
يعقوب ولد حمزة شيخ مقاطعة كرمسين

ابن ولد حيمدة نائب مقاطعة كرمسين

ابن ولد حيمدة نائب مقاطعة كرمسين

الاقسام

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مختارات القراء لهذا الشهر

المتابعون

الكلمات الدلالية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

طالعتنا مدونة "أخبار كرمسين" نهاية الأسبوع المنصرم؛ بفضيحة مخجلة هزت مقاطعة التعتيم؛ والمنعة؛ وأثبتت - بحق - هشاشة "سور الحماية" الذي ما فتئت السلطات المحلية بمقاطعة كرمسين تتبجح به؛ عند كل حديث عن تسيير برنامج "أمل 2012" في المقاطعة.

الفضيحة التي أريد الآن التعليق عليها بعجالة - من خلال هذه المعالجة البسيطة - تتمثل في اختفاء ما يناهز أربعة أطنان ونصف الطن؛ من علف برنامج "أمل 2012"؛ من مخازن مفوضية الأمن الغذائي بكرمسين؛ تتويجا لمسيرة أشهر من التلاعب؛ والغبن و"الألم" الذي رافق منمي المقاطعة وسكانها عموما؛ طيلة هذه الفترة؛ ولم تفلح كل "حبات" التهدئة - التي لا تفتأ تقدم للنافذين والتجار والسياسيين ورؤساء الوحدات القاعدية وكبار المنمين على حساب المواطن البسيط - في تهدئته؛ حتى أراد الله أن بثلج صدور قوما مستضعفين؛ فانفجر سيل الفضيحة؛ تتدفق مياهه في كل جانب؛ دون أن يملك أحد إحكام السيطرة عليه؛ إذ لا راد لحكم الله وقضائه إلا هو.

وإذا ما سلمنا بضئالة الكمية المختفية من المخازن المذكورة؛ والتي حددتها التحقيقات المنشورة بـ 4400 كلغ؛ أي 4 طن و400كلغ؛ إلا أن ما يحمله اختفاء هذه الكمية "البسيطة" من معان ودلالات وما له من أبعاد هو ما اضطرنا لكتابة هذا التعليق عله يساعد في فهم هذه القضية ومآلاتها؛ خاصة وأنها قد يدفع ثمنها مستضعفون لا حول لهم ولا قوة؛ سوى أن أياد خفية تريد تلطيخهم بما لم يرتكبوه.

بالأمس تحدث رأس السلطة المحلية بالمقاطعة عن إجراءات صارمة وعادلة ستمنع أي غبن أو تحايل على البرنامج الذي توليه السلطات العليا للبلد(رئيس الدولة) اهتماما خاصا؛ أما اليوم؛ وبين يدي هذه الفضيحة؛ فأنصحه وجميع معاونيه في اللجنة المكلفة بتسيير البرنامج؛ بأن يقروا بانهيار تلك الإجراءات الواهنة أصلا وعرفا؛ ذلك أن كل الأحاديث المنمقة؛ السالفة افتضحت اليوم؛ وهي تواجه هذه البلوى التي ابتلي بها مؤَّمني "المخزن" وزلزلتهم؛ حتى إذا زاغت أبصارهم؛ وأيقنوا بالغرق؛ ألقوا باللائمة على حمالين ليس لهم في الأمر شيئا – أو هكذا قالوا وقيل عنهم - ؛ وإلا...
1-  فكيف اختفت هذه الكمية؟
2-  لماذا غاب مسؤول مفوضية الأمن الغذائي بالمقاطعة  عن مخازن الدولة وتركها مفتوحة أمام الحمالين ليعيثوا فيها فسادا - هذا إن ثبت أنهم فعلا هم من قام بالتحايل على الكمية المختفية -؟
3-  هل يبرر انشغال مسؤول  المفوضية  في أمر - افترضنا أنه من صميم عمله الموكل إليه – هل يبرر توكيله حمالين – جاؤوا للحمل والتفريغ – مهمة تسيير برنامج يوصف بالهام؛ خاصة إذا ما نظرنا إلى حاجة الشريحة الموجه إليها؛ ونذر استمرار الجفاف في المنطقة بعد أسابيع من توقف الأمطار عن المقاطعة؟.
4-  غاب مسؤول المفوضية؛ وكان غيابه مبررا بالدرجة الأولى؛ وأوكلت مهمة تسيير المخازن للحمالين؛ هل يتحمل الحمالون فعلا المسؤولية عن الكمية المختفية في غيابه؟
5-  ما مدى صدق المعلومات المنشورة من أن الكمية اختفت في غياب ممثل المفوضية؛ أم أن الأمر محض افتراء؛ الدافع إليه توريط الحمالين – باعتبارهم الحلقة الأضعف – لا غير؟.
وإذ أنني لا أريد من هذه العجالة أبعد من إثارة الموضوع؛ وطرح بعض الأسئلة التي قد تقربه إلى فهم كل راغب في متابعة القضية، الفضيحة؛ فإني أشير هنا إلى أنه من السخافة بمكان تبرئة مسؤول  استخف بسكان مقاطعة بأكملها؛ بل بدولة بأجمعها؛ حين رمى بمفاتيح مخازنها إلى حمالين بسطاء - مهما كان مبرره في ذلك - وتركهم يسيرونها بالطريقة التي بدت لهم؛ ومن هنا فإني أقدر موقف حاكم المقاطعة – رغم تحفظي عليه – وهو يحمل صاحب المفوضية المسؤولية الكاملة عن الكمية المختفية؛ وإبعاده المسؤولية عن الحمالين؛ بحسب ما نشرته "أخبار كرمسين" التي  أحييها بالمناسبة؛ فهي صوت المقاطعة الحر؛ وصاحبة السبق في تناول القضية.

كما أنني أعتبر أنه من الظلم والجور أن يلقى باللائمة على الحمالين؛ وأن يفسح المجال أمام مسؤول مفرط؛ ليقدم شكوى ضدهم؛ خاصة وأن تصريحاتهم المنشورة؛ وتقديرات غيرهم ممن تابعوا مسار القضية ترفض تحميل الحمالين المسئولية عن الكمية المختفية؛ بل تذهب إلى أن الزج بالحمالين في القضية هي خطوة مشبوهة لها مغزى جليا؛ وحاجة في نفس يعقوب.

أيضا فإن ما علمت به من محاولات لتسوية الموضوع وديا؛ بحجة الحفاظ على عرض الحمالين؛ وتجنيبهم العقوبة - رغم دفع الأخيرين المسؤولية عن أنفسهم - إنما هي محاولة يائسة للالتفاف على القضية؛ وتبرئة المعني الأول والمسئول الأوحد عن تسيير المخازن؛ وإذا ما حدث ذلك فإنه يمكن أن يعتبر تشجيعا من السلطات المعنية على مزيد من التحايل على البرنامج الذي أثبت فشله يوم أن تم الإعلان عنه منذ أشهر.

وفي النهاية؛ فإن غياب أي تحقيق محايد في القضية التي تضرب عملية تسيير البرنامج في الصميم - تحقيقا ينصف البريء؛ ويحدد المدان؛ ويلحق العقوبة به - يجعل من الحديث عن تسيير شفاف لـ"أمل 2012" هو محض استهزاء بمشاعر السكان؛ ولعب على عقولهم؛ بطريقة مفضوحة.

جميل أن تعمد وزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة إلى تخليد اليوم العالمي للمرأة بحفل بهيج بقصر المؤتمرات تقف من خلاله على أهم إنجازات المرأة الموريتانية وتشخص التحديات التي قد تعترضها وهي تشق طريقها نحو المساهمة الفاعلة في تقدم وازدهار بلدها إضافة إلى تكريم جهدها وعطائها المتكرر في جميع مناحي الحياة.

لكن الحقيقة تقول بأن المرأة الموريتانية تستحق المزيد والمزيد..

ذلك أن المرأة الموريتانية -على مدى عقود من الزمن- أثبتت بحق أنها قادرة على العطاء السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، بما يخدم نهضة بلدها ورقيه ويتوائم مع خصوصياتها.

فعلى الصعيد السياسي مثلا أثبتت المرأة الموريتانية حضورها السياسي القوي من خلال نضالها المستميت الذي حصلت بموجبها على حصة كبيرة قدرت ب20%، تم اعتمادها في الانتخابات الماضية، وهي الحصة التي خلدت صوت المرأة المدوي في مراكز القرار في الدولة الموريتانية وجعلتها تضع بصماتها بجلاء في السياسة العامة للدولة الفتية، بل أكثر من ذلك طالبت – ولها الحق في ذلك - باعتماد لائحة وطنية للنساء الموريتانية بدل النسبة المذكورة والتي باتت المرأة الموريتانية تنظر إليها بأنها لا تتناسب مع حضورها السياسي وضعها الثقافي و الاجتماعي.

وعلى الصعيد الثقافي والعلمي، أظهرت المرأة الموريتانية تفوقها في المؤسسات التعليمة الوطنية في مستوياتها المتوسطة والعالية بل ولجت أيضا الجامعات الدولية في العالمين العربي والغربي ونالت فيها أعلى الرتب العلمية.


وعلى الصعيد الاقتصادي ظلت المرأة الموريتانية يدا عاملة نصوحة ووفية ووحدة إنتاجية -إن صح التعبير- تساعد في رفع قدرات البلد الإنتاجية وتحسين وضعه الاقتصادي.


وأيضا على الصعيد الاجتماعي، عملت المرأة الموريتانية على إنشاء العديد من المنظمات والهيئات المدنية ذات الطابع الاجتماعي، التي قدمت للمجتمع الموريتاني العديد من الخدمات المجتمعية ودافعت بشكل خاص عن مجمل القضايا التي تهم المرأة دون أن تتعدى على خصوصياتها أو أن تمس من هويتها كامرأة مسلمة لها دستورها الخاص الذي صاغه لها الإسلام طبقا لمقتضيات الفطرة التي فطرها الله عليها.


من جهة ثانية ظلت المرأة الموريتانية مثالا للمرأة المسلمة المعطاء المتمسكة بثوابتها الدينية والمحافظة على هويتها، فلا هي بقت أسيرة بيتها عالة على المجتمع والدولة كما أراد لها دعاة "المرأة من بيتها إلى قبرها"، ولا هي اغترت بالدعوات الغربية التي تريدها امرأة منحلة أخلاقيا منسلخة من هويتها خارجة على ثوابتها الدينية متعدية على خصوصياتها الفطرية، وهي الدعوة التي أراد الغرب تسويقها إلى المرأة المسلمة أحيانا بدعوى حرية المرأة بين قوسين وأحايين أخرى من باب مساواة الرجل بالمرأة ومحاربة كل أشكال التمييز ضدها، تماما كما نادوا بذلك في "مؤتمر بكين" أو ما سُمي "بمؤتمر المرأة" عام95م، حيث تم عقد اتفاقية"السيداو" أي اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وهي الاتفاقية التي كشفت عهر المنشئين لها والموقعين عليها على حد السواء، بل ووصل بهم الحد إلى التوقيع على اتفاقية تنص على محاربة ما جاء في الدين الإسلامي مما قالت أنه تمييز ضد المرأة وهي محاولة خبيثة مفادها فصل المرأة المسلمة عن ثوابتها الدينية وإبعادها عن دستورها الذي صاغه لها الإسلام اعتبارا لخصوصياتها الفطرية ومراعاة لقدراتها الذاتية.



غريب هو أمر وزير الدولة للتهذيب الوطني يظهر على شاشة التلفزة الموريتانية في برنامج الحكومة في الميزان، كله ثقة في النفس، ومعددا جملة من الانجازات في مجال التعليم لم يستطع أن يقنع بها حتى من هم معه على الطاولة، فكيف بمن يفترشون العراء، ومن يقف عليهم؟.

والأغرب من ذلك ذكره للتجميع من جملة انجازاته، وأنا أقول لمعالي الوزير إن التجميع بشقيه تجميع المدارس وتجميع الأقسام مما يحسب عليه لا له، فأكبر مشكلة يعانيها التعليم الآن هي الاكتظاظ وهذا ما يؤديه تجميع الفصول أما تجميع المدارس فهو الكارثة بعينها، فقد كنت تجد مدرسة بقرية يعتني بها أصحابها من حيث بنائها، وتجهيزاتها، وصيانتها، بل حتى من حيث استضافة معلميها وتوفير الجو المناسب للقيام ، وكذا رقابتهم فإذا بها اليوم - أعني المدرسة-  مرمية في أرض فلاة، بحجة بنائها بناء مكتملا وتوفير طاقم تام لها، مع أن كل ذلك لا يزال حلما وسيظل.

مشاكل التعليم – سيدي الوزير - كثيرة ومتشعبة ولن تحلها أنت ولا معاونوك، لكن حلها بأيدي من هم في الميدان، لا الذين أدخلوا انواكشوط وأسندت لهم إدارات مدارس بنفس الطريقة التي دخلوا بها التعليم أصلا، وهي نفسها التي استضيفوا بها للبرنامج.

Cheikhdadah85@gmail.com

عرفت موريتانيا (بلاد شنقيط) من الثراء العلمي والإشعاع الثقافي، ما جعلها موئلا لأصحاب الهمم العالية من الطلاب الذي يفدون من كل بقعة من الأرض للاغتراف من بحرها الزاخر بالعلم والمعرفة.

وفي هذا الصدد عرفت هذه البلاد تجارب مرموقة في مجال التعليم لاتزال محل احتفاء من العديد المؤسسات التعليمية في العالم، وكذلك من علماء ومصلحين ومهتمين، عايشوا التجربة أو اطلعوا على "عينات" من مخرجاتها ونتائجها.

لكننا في زماننا هذا ابتلينا بمن يعتقد بأن التعليم "خطر"، خاصة على مثله من الأنظمة المستبدة، ذلك أن الشعوب المتعلمة، الواعية، العارفة بحقوقها وواجباتها، تعرف جيدا كيف تزيل أنظمتها، إذا ما استبدت، وحادت عن الطريق القويم، ولم تحقق لشعوبها طموحها في الحرية والعيش الكريم.

لذا بتنا من حين لآخر نشاهد مساع ظاهرة و مخططات مفضوحة لتدمير بنيتنا التعليمية وطمس تجاربنا المرموقة في ذات المجال، بل ووأد كل محاولات لبعثها من جديد، الشيء الذي بات يبعث على الأسى والقلق، إزاء "إصلاح التعليم" الذي هو دعيمة أساسية من دعائم التنمية البشرية والتقدم المجتمعي.

ومما يؤكد تأصل هذه العقيدة في من يتولى شأننا الآن، ويبين الخطر المحدق للمساعي المذكورة على مستقبل البلد، هو ما نشهده في هذه الأيام من تطورات خطيرة في مؤسساتنا التعليمية مما يمكن وصفه بأنه استهداف حقيقي للطالب الموريتاني أينما حل أو ارتحل، في الداخل والخارج، فـ"الكل ينبغي أن يحرم من حقه في التعليم، وفي التكوين أيضا".

ففي الداخل تعسكر الجامعة اليتيمة، ويرغم طلابها على إجراء امتحاناتهم تحت سياط "العسكر" في جو رهيب لا يبعث على الاطمئنان على مستقبل البلد التعليمي، ولا يخدم مستقبل الأمن والاستقرار فيه.

وكذلك يقمع طلاب المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وينكل بهم، ويرمي بهم في السجون، ذنبهم الوحيد أنهم طالبوا بالإبقاء عليه، مؤسسة عتيقة حملت هم "التعليم والتكوين" في هذا البلد، فخرجت أجيالا من العلماء والقضاة والأطر والموظفين، لا تزال بصماتهم بادية في كل مكان.

وأيضا، وفي جامعة "لعيون" الإسلامية حدث و لا حرج، الأمن يقتحم الحرم الجامعي، هذا إن لم يكن دخل بالفعل على الطلاب في فصولهم، لا لشيء سوى أنهم طالبوا بحقوق بسيطة بدونها لا يمكنهم أن يجزموا بأنهم يتلقون تعليما جامعيا في مؤسسة جامعية ينتظر منها أن تؤمن لطلابها مستقبلهم الأكاديمي.

هذا بالنسبة للداخل، أما بالنسبة للخارج فسنتخذ من الطلاب الموريتانيين في المغرب نموذجا، ذلك أنهم يعانون الأمرين، رغم أن طلابا آخرين في دول مجاورة يقاسمونهم نفس الواقع، من قسوة الظروف إلى قبضة الأمن.

ففي هذا العام تم حرمان المئات من الطلاب الموريتانيين من التسجيل في الجامعات المغربية بسبب تصرفات طائشة من نظام أعزل، وتمر الأيام والشهور دون أن يلوح في الأفق أي حل، وكأن هذا النظام يريد أن يقول لهم: "ببساطة لا أريد لكم - ولا لغيركم - أن تتعلموا".

والأمر من ذلك هو أنه حينما طالب الطلاب هناك، خلال أسابيع خلت، بأبسط الحقوق، أعطى "سفير النظام" بالمغرب  الضوء الأخضر للشرطة المغربية لتتولى قمعهم ولتنكيل بهم قبل أن ترمي بطائفة منهم في غياهب السجون من بينهم الأمين العام لاتحاد الطلبة الموريتانيين بالمغرب.

هذه مقتطفات أردنا أن نبين من خلالها أن تعليمنا بات في خطر، في ظل ما تتعرض له بنيتنا التعليمية خاصة في شقها العالي، من سحق غير مسبوق من قبل أزلام النظام التجهيلي الحاكم.

لذا فإني أدعو الجميع، من نقابات طلابية، وأحزاب سياسية، ونواب برلمانيين، وقادة للرأي، إلى أن يقفوا وقفة رجل واحد للتصدي لحملة التدمير الممنهج التي يقودها النظام ويستنفر لها كل طاقاته وإمكاناته، للقضاء على التعليم في بلاد شنقيط.


"إذا كان مسعود قد تحرر، فإن جابهَ الله ما زالت رهن الاستعباد. وإذا كان مطلب التغيير يعني شيئا، فإنه سيظل يعني فك قيود جابهَ الله".. هكذا يتصور الكاتب عبيد ولد إميجن، وهكذا هو منطق الأشياء.. فلا شيء يمنع العبيد السابقين، ومن هم على شاكلتهم من الأسياد التائبين، من البحث عن كل السبل المفضية إلى تحرير "جابه الله" ومثيلاتها.
وعندما تضيق أرض العبيد بما رحـُـبت، وينعق في وجههم غراب النحس الإقطاعي، يكون السفر واجبا؛ ففيه المتنفس للصدر المبحوح، وفيه الغربة عن "بلاد الطاعون".
إذن فلتتحرك قافلة العبيد، جنوبا، نحو "الحبشة"، عسى "النجاشي" يصغي - كعادته- إلى "رسالة المستضعفين".
انقسمت قافلة العبيد إلى ثلاث مجموعات، انطلقت كلها من نواكشوط باتجاه نهر السينغال. مجموعتان (يترأسهما يعقوب ولد السالك وحمادي ولد لحبوس، دليلهما الشاب ديدي) توجهتا إلى دكانه، شرق روصو حيث المعابر أكثر سرية وأوفر عددا.. ومجموعة (يترأسها الداه ولد مبروك، وبمعية الشاب يكبر ولد لميلح وكاتب الحروف) توجهت إلى سد جاما.
كان رئيس مجموعتنا، الداه ولد مبروك البـَـرَتـي (نسبة إلى قرية بَرَتْ)، يعتز بأنه "حلال المشاكل بالمنطقة، العارف بشعابها، الخبير في وديانها وجداولها، المتمرس على اجتيازها جيئة وذهابا". كان يردد بأنه "ملك منطقة ما وراء مدينة كرمسين". كان الأمر بالنسبة لي قرع فنجان أو ضرب رمل بقوقع (ما صدقته وما كذبته). عندما تجاوزنا كرمسين، كان الداه يستنشق أريج الأعشاب والأُضِـي وهو يستعيد ذكريات أطلال درست وديار عفت. إنه يريد أن يقول بأنه "ابن شمامه وعصارة تاريخ الماء والبقر والمزارع والبعوض".
شمامه، من ببتور، إلى المانكويني، مرورا بالصطاره، فجكينات، فسكام، فطمباص، فلعويجه، فالليات، فخملش: كلها معاهد تذكــّـر بالعبودية بشقيها: الأقنان والنخاسة. الأقنان هم أولئك العبيد القاطنون بمزارع يحرثونها، ويحاربون طيورها وجرادها، وعندما يأتي موسم حصادها يجدون أنفسهم مرغمين على دفع خــُـمس نتاجها للأسياد.. ظاهرة تعج بها سهول شمامه. ورغم أنها تناقصت، فثمة جيوب ما تزال تمارسها ببشاعة إلى يومنا هذا متحدية ما يعرف بـ"قانون الإصلاح العقاري". أما النخاسة (أي بيع العبيد) فكانت شمامه خزانها الأول ومعينها الدائم الخرير. وكانت الذرة والشعير والبـُـر والفاصوليا والعبيد تشكل خيرات من المأثور عن أجدادنا أن علينا أن نأخذها، دون أن نجعل من شمامه وطنا أبدا.. ولعل يعقوب ولد السالك ما يزال يعيش مرارة مأساة النخاسة منذ أن علم بأن أخته، أم العيد، بيعت في الأربعينات، وأنها الآن مسجلة في الصحراء الغربية باسم "عيده". وكلما تقدمت به السن، كبر معه الشوق إلى رؤيتها وعناقها وضم أبنائها إلى صدره.
كان عدد العبيد في مجموعتنا ثمانية (ثلاث نسوة وخمسة أطفال).. كان مناضلو المبادرة الانعتاقية، الذين حرروهم من الأسر قبل سنة، يعملون كل ما في وسعهم من أجل راحتهم. لكن معضلة هؤلاء أنهم لا يملكون أية أوراق مدنية ثبوتية، وأن خروجهم من دولة ودخولهم دولة أخرى مسألة تبدو أشبه بالمستحيل. غير أن الداه ما يزال مصرا على أنه قادر على إخراجهم وإدخالهم بشتى الوسائل..
وصلت السيارة إلى الحدود النهرية.. استوقنا الدرك.. لم يكن سائقنا لبقا بالدرجة الكافية مما عرضنا لخطر التفتيش، ومن ثم السؤال عن هوية الركاب وأهداف سفرهم.. تمكن الداه من تهدئة الأعصاب بين السائق والدركي المرابط عند "الثغور".. دخل معه في المركز و"ناقشا".. عاد مزهوا بنجاحه في أولى المهمات.. يبدو أن الرجل "ملك بَـرَتي" بالفعل.. طلب منا الشابان (الداه ويكبر) أن ننزل لأن السيارة ستقلهما إلى قرية بَـرَتْ لأخذ بعض مستلزمات السفر، على أن نبقى نحن مع الدرك عند نقطة التفتيش.. غادرت السيارة، وبقينا نحن في مواجهة المجهول.. لقد أحسست أنني بحاجة حقيقية إلى "الملك البرتي" لمواجهة أي طارئ.. فكرت في أننا أصبحنا محل شبهة جلية: ثلاث نساء سوداوات كالفحم، وخمسة أطفال سود كسهول شمامة، ورجل وجد أول فرصة ليكون أبيض.. فعندما تــُـجالس عبيدَ "أهل الفيجح" لابد أن تكون أبيض، وإلا فاتتك الفرصة إلى الأبد.. يبدو أن وسائسي مرت برأس الدركي، فاقترب منا سائلا:
- إلى أين تتجهون؟
فكرت في اللعب على وترين؛ أحدهما معرفة الأرض، والثاني معرفة سوسيولوجيا السكان. قلت له:
- نحن متجهون إلى "هلار" لحضور زفاف صديق وقريب لنا يدعى يعقوب ولد السالك. قال:
- وأين توجد هلار؟
قلت:
- على بعد سبعة كيلومترات بعد سد جاما.
قال، باحثا عن ثغرة:
- لم أسمع بـ"هلار".. ما هي أشهر القرى الموجودة بجواره؟
قلت:
- أشهرها "انخيله"، وهي تبعد منه ثلاثة كيلومترات. مع أن هلار لا يحتاج إلى تعريف فقد تغنى به الشعراء اللهجيون بروائع خالدة:
منْ هلارْ المَـشــْـرَعْ نبْـغيهْ= يَعْرَفْ عنــِّي واتجدْ اعليهْ
والمشرعْ يَـعرف لمغلــِّـيهْ= اعليَّ؛ فايْــدُ من لخبارْ
الِّ يعرفْ بيهْ اتفُ بيهْ= عنُّ غالِ مشرعْ هلارْ
بدا أنه اقتنع بجدية المسعى، خاصة أن نقاط العبور لا تعدم حالات من هذا النوع.. فكرتُ في "متلازمة استوكهولم" لدى لحراطين، فاستطردت قائلا:
- هؤلاء المساكين، رغم مطالبهم وتمرداتهم، مرتبطون بنا في كل شيء. فإذا أرادوا قرانا يلجأون إلينا لعقده، وإذا مات أحدهم يلجأون إلينا للصلاة عليه...
أحضر الدركي كأس شاي وارتاح للحديث.. ناولني إياه كتعبير عن نهاية "التحقيق" سلميا.. لقد تجاوزنا إحدى أهم العثرات في غياب "الملك البرتي".. ولولا أنه لا نار ولا كرباج، ولولا أنهم لم يتحلقوا من حولنا مثل الكواسر والوحوش، لحسبتها "ليلة عند الدرك"، ولظننت أن التاريخ يعيد سيمفونية ولد عبد القادر بنسخة جديدة.
اتصل علي الرئيس بيرام وأنا أسامر الدركي.. لخصتُ الحديث ما أمكن، وحاولت إنهاء المكالمة بأقل خسارة.
عاد الداه ولد مبروك مع رفيقيه (السائق ويكبر).. ما يزال الداه واثقا من قدرته على تجاوز كل الصعاب فهو "ابن المنطقة وملكها". ولم تكن تنتابه الشكوك التي راودتني حول إمكانية فشل المهمة بوشاية "مسبقة" أو تحقيق عفوي. والحقيقة أن دخول "ملك جاولين" إلى بيت الدرك و"نقاشه" معهم، مهد الطريق لتجاوز المعضل الأول؛ فلا عبيد أهل الفيجح سُـئلوا عن أوراق ثبوتية يفتقدونها كلهم، ولا نحن حـُـقق معنا تحقيقا صارما حول مقاصدنا.
رفع "الملك" حاجز الدرك بيده، وأشار إلى السيارة بالعبور، لتدخل إلى حيث حاجز آخر تابع للشرطة الموريتانية.. لم يتطلب الأمر أكثر من دقيقة ليعود إلينا "ملك جاولينغ" رافعا الحاجز، آمرا السيارة بالدخول.. لم يبق أمامنا إذن إلا الاتجاه، من فوق السد، نحو أول وقفة تفتيش سينغالية.. كانت الفرحة عارمة.. لكن هاجس الأوراق الثبوتية لدى "عبيد أهل الفيجح" عاد ليراودنا مجددا.. قال الداه: "أتركوا الأمر بيدي، فهذه أرضي، وهؤلاء أهلي، وهنا ولدت وترعرعت".. مضى "ملك جاولينغ" إلى مركز شرطة السينغال، وعاد مسرعا حاملا معه مفتاحا لقفل محكم الإغلاق على الحاجز.. فتحه ورفع الحاجز ودخلنا دون أن نرى أي شرطي.. ولكي يُجَـنــّـب سيارة النقل الموريتانية الإجراءات المعتادة، حوّل وجهتها إلى قرية "جاما" (الواقعة أربعة كيلومترات من السد) تاركا لدى الشرطة أوراقها في انتظار عودتها..
ها هي قافلة العبيد في قرية جاما. هل من الصدفة أن "جامْ" تعني العبد باللهجة الولفية المحلية؟.. تساؤل غير مهم البتة.. فيما أصبح وجود الشاب يكبر ولد لميلح ذا أهمية قصوى لأنه يتحدث الولفية بطلاقة تفوق الجميع.. كان يناقش الناقلين، ويطرح الأسئلة الضرورية، ويدفع بالإجابات اللازمة.. كان لابد لنا من سيارة أجرة تقبل حملنا برمتنا: ثلاثة رجال من "إيرا"، ثلاث نسوة وخمسة أطفال من "مجلوب السودان".. هكذا، على مدى قرون، كان المفهوم السائد لدى الطبقة العالمة.. ففي سوق النخاسة يكثر استخدام "المجلوب" لـ"قطعان" العبيد المعروضين للبيع، رغم أن العلامة أحمد بابه التمبكتي (وهو أسير في المغرب لدى ملك السعديين أحمد منصور الذهبي) أفتى بـ"حرمة استرقاق المسلم، وحرمة بيع الرقيق المجلوب من بلاد تدين بالإسلام".. لقد ذهب عبد القادر السبسبي أبعد من ذلك محرما الاسترقاق حتى في حق الكفار، فقال بأن الله "لم يأمر برقّ ولا استرقاق؛ لأنهما يتنافيان مع مبادئ الإنسانية (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، وقد خول الله للمسلمين –حال انتصارهم على المحاربين وأخذهم أسرى- بأن يتبعوا أحد ثلاثة أحوال: 1- القتل، 2- الأسر، 3- العفو. (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقابِ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما مناً بعد وإما فداءً حتى تضع الحربُ أوزارها)".
أقنع الشاب يكبر أحد "التاكسيمانات".. ركبنا ونحن ستة بالغون، سابعنا سائقنا، ووزعنا الأطفال على الأفخاذ والبطون وربما الرقاب.
وصلنا مدينة سان الويس، العاصمة السياسية لموريتانيا في ظل الاستعمار.. المدينة المعروفة بـ"اندر" حيث ازدان وتألق وذاع الأدب الحساني أكثر من أية بقعة في الأرض.. "أندر" حيث عاش الزنجي دودو سيك (محمدن ولد أبن المقداد) الذي فاق فحول البيظان في شعرهم، وحيث سجن الأمير سيدي أحمد ولد أحمد عيده؛ فكان - على غير عادة الأمراء- يأكل بلا "نديم" فقال أبياته الشهيرة:
مارتْ عـَـنـْـدِ= عنِّ مكبوظ
نوكلْ وَحْدِ= كيفْ أمَـكروظ
وحيث قال "مطلعه" الشهير:
اتشاييرْ انخـَـلْ هاذ الوادْ،
فقال دودو سيك، مصححا:
"يا فتى، ما ستتحدث عنه ليس وادا، إنه "دخلـَـه".
فاستطرد الأمير مرتجلا في عجالة أربكت النقاد:
وللَّ زادْ الدخلَ لعَادْ
ماهُ وادْ، إزيدْ التفكادْ...
"أندر" حيث "صالة أميسه فدرو" (مونسيي فيديرب)، و"صالة محمد لحبيب"، وحيث عزف الجوق الفرنسي لأمراء الترارزه موسيقاهم الخالدة في "أزوان البيظان" في عملية استنساخ تحت اسم "أزويزويات أهل أعمر ولد اعلي".. أندر حيث حفظ التاريخ مقطوعات ملحمية للأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد، ومقطوعات من شواهد الأدب لأهل هدار وولد ابنو ولد احميدن وابـَّـفال والشيخ ولد مكيّنْ.. أندر حيث وُلدَ أكبر ملاكم في تاريخ إفريقيا، الحرطاني الشهير امبارك فال الذي فاز في فرنسا وبلجيكا، وأصبح بطلا للعالم في الولايات المتحدة قبل اغتياله على يد متطرفين من اليمين العنصري.
نزلنا عند بائع شواء قرب محطة الركاب.. تناولنا اللحم المشوي، و"الشاي المشوي" (فلون الشاي في الضفة اليسرى يختلف عنه في الضفة اليمنى).. لاحظت أن أطفال العبيد منضبطون، لا يـُـكثرون البكاء ولا يصرون على الطلب.. ما هي الأبعاد السيكولوجية لهذه الظاهرة؟.. لست أدري.
لم نكن نعلم عن المجموعتين المتبقيتين من "قافلة العبيد" أي شيء، اللهم اتصالات خاطفة يجريها يعقوب ولد السالك بين الفينة والأخرى.. كان يعقوب يزجر ويأمر، لكنه لا يفصح ولا يشرح.. ربما اتبع استراتيجية أعطت نتيجة عكسية لأننا شددنا الرحال، وهـْـنا من الليل، متجهين إلى "جزيرة الليبيو"، بينما كان هو وحمادي قد خططا للإلتحاق بنا في سان الويس.. في دكار نزلنا في منزل عتيق يملكه المرحوم ألاجي افال: جد "ملك جاولينغ".. وجدنا في المنزل امرأة قططها ثلاثة، وبعلها سافر لحضور "يوم التعظيم" في طوبى، وسلامها "نينكادوف"، ولولا الملحفة لذابت نهائيا في مجتمع الزنوج.. وكم هو "صعب وبسيط" أن يذوب هؤلاء في مجتمع الزنوج!.. فبعضهم زنوج اختطفهم بيظان، وبعضهم زنوج اشتراهم بيظان، وبعضهم زنوج باعهم زنوج، دون أن ننكر نظرية "الأصل الأهرضني" للبعض الآخر.
كان المناضل أحمد ولد حمدي يراسلني بمستجدات "عين فربه"، وما طرأ من أخبار عن معتقلي "إيرا" (أعلي ولد رافع، المهدي ولد لمرابط، لحبوس ولد عمر، عبد الله ولد آبو جا). ورغم أن المناضلين "خــَــنــْـفــَــروا" بكل ما أوتوا من قوة، إلا أن همي تمثل في إقناعهم، بدعم من بيرام ويعقوب، بضرورة إنهاء الإضراب عن الشراب لأنه مهلكة غير مبررة، وهو ما نجحنا فيه في النهاية.
حمَـلنا الانعتاقي مالك افال من منزل آلاجي افال بـ"سيكاب باوباب" إلى "امبوت" (50 كلم من دكار).. ثم عرج بنا 4 كيلومترات.. نزلنا في ضيعة الشيخ عالي انضاو.. كان شجر المنغو منتظما في لوحات فنية فريدة.. متصوفون من كل الجنسيات يعملون بنشاط ماكيني (يزرعون، يطبخون، يغسلون، يكنسون...).. داخل الضيعة خيول وبغال وكلاب ومنزل وسيارات وأدعية وصلوات.. يبدو أن علاقة صوفية تربط مالك افال (القيادي في "إيرا") بالشيخ المريدي عالي انضو، الفيلسوف، أستاذ الأنتروبولجيا الذي انزوى في مزرعة متعبدا وداعيا إلى الله.. هنا، علمت لأول مرة أن مالك افال متصوف يتعاطى ورد الشيخ أحمدو بمبه.
التقيت بالشيخ في ثيابه الرثة.. كان متواضعا بشكل لافت.. لم يكن يَـخفى على ناظره أن "في جُـبـَّــته حلاج" وأن "في منزله" "عدوية" من أصل أوربي.. لا أدري ما إذا كنت ناقشت الشيخ أم أخذتُ عنه دروسا.. وبفرنسيته المعافاة قال، في ما قال، ان شيخه، الشيخ أحمدو بمبه، "حرث الأرض وبذل الجهد من أجل أن يتمتع بحرية الإبداع".. وبالنسبة له فإن "وراء كل فكر سليم بُـعد اقتصادي"؛ لذلك فهو وتلاميذته يزرعون وينمون ليل نهار بغية تحقيق نظرية جميلة نادى بها منذ سنوات؛ إنها "الاقتصاد من أجل السلام".. ويرى الشيخ انضو أن "القاتل والمقتول ضحيتان، والسارق والمسروق عليه ضحيتان" لذلك يقول: "إذا حوكم ملاك العبيد، وحكم عليهم، ونفذ فيهم الحكم، فيجب أن لا يعني ذلك انتصارا للعبيد، فهو في الحقيقة انتصار لملاك العبيد والعبيد معا؛ فملاك العبيد ضحية لتراكمات ثقافية هدامة، صنعها نظام اجتماعي لم يستشرهم، والعبيد ضحايا استرقاق صنعه نظام اجتماعي لم يستشرهم". هكذا يدعو الشيخ إلى "النضال السلمي" على طريقة الماهاتما غندي والشيخ أحمدو بمبه. ففي اعتقاده أن "النضال يجب أن يتوجه إلى الظالم والمظلوم في آن واحد وبنفس الوسائل الرحيمة لأنهما يشكلان ضحيتين حقيقيتين"، وأن "الاقتصاد واللاعنف وحدهما الكفيلان بالحل السلمي المريح".
وصلت المجموعتان المتبقيتان: عبيد أهل حاسين، وعبيد أهل عبد الله ولد المختار (سعيد ويرك وبلال وحبي) وحنه وامباركه وآخرون (نساء ورجال وأطفال)، بالإضافة إلى "العريس" يعقوب ولد السالك و"بشوش إيرا" حمادي ولد لحبوس.. لم يكن سعيد يحلم بأكثر من حداء ناقة على مشارف انواكور.. إنه الآن يستعد لزيارة إحدى أهم العواصم الإفريقية.
حدثت "الرفيقين" عن الشيخ عالي انضو، وكيف جذبني بشكله وبمضمون خطابه.. انتابهما الحنين للقاء المتصوف الذي ألف كتاب "مستهل الطريق نحو السلام" وكتاب "رؤية من أجل مجتمع مسالم".. طلبنا دقائق من وقت الشيخ المنشغل أبدا بـ"رسالته العالمية".. حدثنا عن نظرياته، وعن تطبيقاتها في أنحاء عديدة، كما حدثنا عن التصوف قائلا بأن "من الناس من أخذ بظاهر الدين، ومنهم من أخذ بباطنه؛ وأولئك هم أهل الصوفة". كما حدثنا عن "المدرسة الدولية للتصوف" التي أنشأها. وقال بأن ملهمه الأول هو الشيخ سيدي أحمد ولد أسمهُ الديماني، وأنه يزور "انتمركاي" في جنوب موريتانيا تبركا بهذا العالم الصوفي الذي أخذ عنه الشيخ أحمدو بمبه الكثير وساعده في بلورة كفاحه السلمي ضد الاستعمار. وقال الشيخ أنضو ان الشيخ أحمدو بمبه اقترح على الشيخ سيدي أحمد ولد أسمه أن "يتخذ من سان الويس مقرا له ليخفف المعاناة في مجتمع تتحكم فيه جدلية المستعمِـر والمستعمـَـر".
في المساء، حضرنا حفلا صوفيا بدأ بمداخلات عامة وانتهى بإنشاد صوفي عذب.. كانت الهنديات تغنين بمديحيات الشيخ أحمدو بمبه وهن لا يفقهن الكثير عن محتواها، لكن وجـْـدانهن كان مليئا بالشطح والمعاني السامية للربوبية..
كان "ملك جاولين" يتمايل طربا، وقد حمله "الجذب" إلى مجاراتهن في الإنشاد، وربما سها فسكتن وتابع هو بصوت غير رخيم.
في الصباح الباكر، توجهنا إلى دكار لحضور مؤتمر صحفي يعقده رئيس المبادرة الانعتاقية، بيرام ولد الداه ولد اعبيد.. وصلنا إلى مقر "اللقاء الإفريقي للدفاع عن حقوق الإنسان".. كان شباب "إيرا-السينغال" قد رتب كل شيء (من القهوة إلى المقاعد إلى الدعوات).. وفي هذه اللحظة بالذات التقينا لأول مرة منذ مقدمنا بالرئيس بيرام والناشطيـْـن الكاتبين، عبيد ولد إميجن وجبريل جالو.. دخل العبيد في قاعة المؤتمر، لا "تسمع لهم ركزا": نفس الانضباط والهدوء والانصياع للتعليمات. لقد خلق الرق منهم أناسا طائعين طيّـعين.. كان "عريس هلار" يكرر كلما ألقى نظرة على سعيد: "آه، كمْ طاشت إبل أهل حسين!".
قبل وصول الصحافة السينغالية، التقيت مصطفى توري، المعارض الأبدي، منسق روابط اللاجئين الموريتانيين في السينغال ومالي.. دردشنا قليلا.. قال بأنه لا يعرف ما الهدف من قول وزير الداخلية، ولد ابيليل، بأنه ليس على علم بلاجئين موريتانيين في مالي. "في حين أن الدولة الموريتانية، في عهد ولد الشيخ عبد الله، بعثت بلجنة وزارية اطلعت ميدانيا على أعداد وأحوال اللاجئين الموريتانيين في مالي".. أكد توري أن في مالي 10 آلاف لاجئ مسجلين لدى منظمة غوث اللاجئين. وقال بأن "العون الدولي في حلحلة مشكل اللاجئين أتى في سياق مسلسل سياسي، ولما وقع الانقلاب اختفت إرادة الشركاء الدوليين". وأردف أن "شروط عودة من تبقى من اللاجئين تتمثل في حل معضل الإحصاء، التعويض للمسفرين، حل مشكل الأراضي، النظر في قضية الإرث الإنساني".
بدأت فعاليات المؤتمر الصحفي.. قال بيرام ولد الداه: "إذا كانت جزيرة غوري موجودة تاريخيا في السينغال، فإنها واقع معيش في موريتانيا". وطالب بيرام بـ"أفرقة الكفاح ضد العبودية في موريتانيا، كما تمت أفرقة الكفاح ضد لابارتايد في جنوب إفريقيا". وأكد بيرام أن "شعار المبادرة الانعتاقية لسنة 2012 هو القضاء على الرق".. ثم أعطى الكلام للعبيد بغية الإدلاء بشهاداتهم.. تحدثت كل واحدة وكل واحد عن مأساته.. ذكروا الإهانة والعمل الشاق والفــُـرقة والاغتصاب والتعذيب.. وكان سعيد أضعف قافلة العبيد أداء.
ذهبنا إلى منزل بحي "خورو نار" (وادي البيظان، في بيكين).. انتظرنا المساء، وعندما بثت "والفجر" و"آفريكا7" فعاليات المؤتمر أحس الجميع بالراحة.. فالرسالة قد بلغت، وبأسلوب أخاذ.
وقع الاتفاق على أن القافلة يجب أن تمر من معبر روصو وفي وضح النهار.. شددنا الرحال وتوجهنا إلى روصو.. وكما كانت وفود الحراطين "تتقاطر" على بيرام في دكار، كان أيضا محجة لعدة وفود في روصو- السينغال، كما سيكون في روصو موريتانيا.. شربنا الشاي عند محل "درباكه". واعتلينا العبّارة متوجهين إلى موريتانيا.. تمت إجراءاتنا بشكل سريع، لكن "العبيد" واجهوا مشكلة عند الشرطة. وسريعا ما تركتهم الشرطة يخرجون بعد تسجيل أسمائهم وبعد احتجاج خاطف من الرئيس بيرام ورفاقه.. وعندما خرجنا من ساحة العبّارة علمنا أن الدرك أوقف "القافلة" بحجة عدم امتلاك العبيد لأية أوراق.. عدنا أدراجنا إلى العبارة ورفعنا الصوت محتجين. قال بيرام موجها كلامه إلى السلطة بأن "الأسياد لم يساعدوا عبيدهم أبدا في امتلاك هويات ثبوتية".. أمضينا دقائق وتوصل الدرك إلى أمر بترك القافلة تسير.. كان علينا أن نبلغ الصحافة بالحادث.. اختلفتُ مع جبريل جالو حول العبارة الأسلم لما وقع.. قال جبريل بأن الأمر يتعلق بـ"اعتقال"، وقلت بأنه يتعلق بـ"عرقلة".. اتصل قبلي بالصحافة مقدما وصفه، واتصلت بعده بها مقدما وصفي.. تذكرت ما سطره الكاتب ابراهيم ولد بلال من أننا "لا نريد قلب التاريخ (ولا الحقائق) رأسا على عقب، بل نريد محاكمته و تجاوزه لبناء دولة لا تابع فيها ولا متبوع". والحقيقة أننا، كما قال بيرام في خطاب جائزة "ويمار"، "لم نختر الكفاح. لكنه فـُرض علينا".

كلما خلدت للسرير بعد ان يتعب هذا الجسد ويبحث عن ساعات نومه أجد احلامي عن الرياضة الموريتانية التي خصصت لها كل حياتي ومجهوداتي المهنية تتحقق فأتابع مباريات المرابطين في نهائيات الكان مع جماهير رياضية موريتانية فخورة بفريقها ثم أتابع مبارات لكرة السلة في قاعة مغطاة لاتختلف عن نظيرتها في دكار .

وما إن استيقظ حتي اشعر بحزن شديد وعلي ضوء ذالك اصبحت اجد راحة كبيرة في النوم الذي اجد فيه ما لم نحققه علي ارض الواقع وسعيت له طوال خمسة عشر سنة من مشواري المهني كافحت من خلالها الفساد الذي يزداد سنة بعد الاخري حتي اصبحت اري السنة الماضية افضل تلقائيا لرياضتنا الوطنية ودفعت ثمنا غاليا لهذه الطريق الشائكة في مجتمع بلا ذاكرة يتساوي فيه المجرم والطيب.

مع مرور الأيام وجدت نفسي في الشارع لتسعة مرات كلها من أجل مكافحة الفساد الرياضي ليس فيها قضية واحدة متعلقة بشخصي ومع انه من المفروض ان يكون هذا الهدف هو هم الجميع فقد وجدت نفسي العدوالاول للمسؤولين الرياضيين ببلدي في غالبيتهم حين اكتشفو بانه لايمكن ابدا ان اشتري بالاموال مثل ماعليه غالبية أشباه الزملاء الذين نسو الامانة ونهاية الرحلة الابدية فمهما اكرمني أي مسؤول رياضي واحسن وفادتي لن ينجيه ذالك من قلمي عند فساده.

وهناك حادثتان وقعتا لي الأسبوع الماضي مع مسؤولين رياضيين أثرتا في شخصي ولكن بصورة إيجابية الأولي منهما لعزيز وان الأمين العام لعصبة كرة القدم الوطنية وهو يعمل في المجال قبل ولادتي بخمسة سنوات شاهدني فجأة أمام مكتبه فصاح لاإراديا جائكم أخليتو هربو فسألته قائلا لماذا هذا الكلام فأجابني الشيخ ضاحكا لأنك اكثر من يخشاه الرياضيون.! فقلت الفاسدون وسألته هل تعرضت لك مرة بأي سوء فقال كلا فأجبته إذا كما يقول المثل الحساني من ليس في اللصوص لايخوفه الباحثون عنهم.

الحادثة الثانية من مدير رياضي يستفيد من حماية نفوذ كبير جعله يبغي ويختلس بشكل لم يسبق له مثيل وتحول لامبراطور يخشي الجميع بأسه ويطمعون في مال الفساد الذي عنده وتراه عند كل نشاط ينظمه متبوعا بعشرات المتسولين من رياضيين وإداريين وأشباه صحفيين يوزع عليهم الفتات بتكبر وتعالي وكأنه يوزع مال أبيه وليس مالا حراما يجب أن يخجل من نفسه حين يوزعه.

ذكر لي أحد الزملاء أنه شنه هجوما شنيعا علي شخصي المتواضع طبعا بدون حضوري لأنه كما يقول المثل الموريتاني الكلام خلفك تقديرا لك كان كله يتحدث عن قبيلته الكبيرة وأصله العظيم ويحط من أصلي حتي أنه يصفني بأحقر أصل في بلادنا ثم يقول جائني عند تعييني لمكتبي وهو ينافق لي ويختم حديثه عند قوله وأنا أكتب منه فحمدت الله أولا بأن هذا المدير الفاسد لم يستطع أن يجد لي من المذمة غير ما قاله لانني أعرف ولله الحمد أصلي جيدا وهو مصدر اعتزاز لي لا أحتاج لغيري ليعلمني إياه ، ثم أن هذا الشخص الذي يعتز بأصله نسي بأن السارق يتبرأ منه أصله إذا كان طيبا لذلك عليه بأن يجحد أصله إذا كان صحيحا أو يعود للطريق القويم ويتوب قبل أن لاتنفع التوبة.

وهو صادق في قوله بأنني جئته عند تعيينه لأول مرة لأنني كنت أتوسم فيه الخير لرياضتنا فلما عرفت بأنه وبالا عليها كانت الأخيرة وأصبح مثل كل المفسدين الذين سبقوه وإن زاد عليهم سوءا وفسادا.

أما الكتابة فأدعوه لها لأن من كان بيته من زجاج فمن الصعب عليه أن يخفي الكثير وهذا المسؤول بالذات أرتكب من الجرائم المالية الرياضية الموثقة ما لم يفعله سابقوه طوال خمسين سنة من الاستقلال فأدركت بأنني علي الطريق الصحيح مادام المفسد الرياضي الأول يناصبني العداء ويبحث عن أي وسيلة للقضاء علي قلمي الذي وهبته لهذا الوسط الرياضي الموريتاني المغلوب علي أمره.

يبقي هناك ضوء في نهاية النفق المظلم لرياضتنا الوطنية إنها كرة القدم الوطنية فمنذ بداية العهد الجديد لهذه الإتحادية الجديد تغير كل شيئ بسرعة نحو الأفضل بطولة قوية تضم أربعة عشر ناديا وبطولة للدرجة الثانية وقريبا بطولة للدرجة الثالثة وإدارة ديناميكية بعدد كبير من الموظفين ومنتخب جديد برؤية مختلفة عما سبق.

ولكن ما أخشاه غياب الدعم المالي والمعنوي لهذه الإرادة الجديدة وهي كانت عائقا كبيرا أمام الكثير من الجهود الصادقة الرياضية التي سبقتها لذالك اوجه نداء لكل الشرفاء في موريتانيا بان يقفو الآن جميعا خلف كرة القدم الموريتانية قبل ان يخرج هذا الرئيس الشاب قائلا ما لي وللهم كنت مرتاحا قبل وتعود حليمة لعادتها القديمة .

دمحمد ولد الحسن
الخازن العام وعضو اللجنة التنفيذية للإتحاد الافريقي للصحفيين الرياضيين
رئيس جمعية المعلقين الرياضيين الموريتانيين

يكاد لا يختلف اثنان على أن للعلماء الشناقطة تأثيرا كبيرا في إفريقيا و العالم العربي، فجهود جهابذة العلماء من أمثال آبه ولد أخطور و ولد التلاميد و أضرابهما أشهر من نار على علم. و قد أكسبت تلك الجهود موريتانيا سمعة منقطعة النظير في العالمين العربي و الإسلامي... بيد أن جهود ورثة الأنبياء من الشناقطة لا تعترف بالحدود! و لذلك فهي لم تقتصر فقط على العالم الإسلامي ، و إنما امتدت حتى أقصى الغرب الأميركي.

لقد وقفت مشدوها أمام السمعة الطيبة التي يحظى بها بلدي لدى المسلمين الأميركيين بصفة عامة و لدى مسملي كاليفورنيا بصفة خاصة، فيكفي أن تقول إنك موريتاني ليقدمك الحاضرون للصلاة، بل و ليستفتونك في أمور دينهم أحيانا!

و يعود الذكر الطيب للموريتانيين في الغرب الأميركي إلى جهود تذكر فتشكر للشيخ حمزة يوسف، و هو – لمن لا يعرفه – أميركي اعتنق الإسلام في سن مبكرة و قضى فترة طويلة في موريتانيا، حيث تتلمذ على يد العلامة المرابط الحاج ولد فحفو، و قد أنشأ طلاب الأخير و مريدوه صفحات ويب كثيرة تعرف بعلمه و سيرته الذاتية. و يقوم بالتدريس و الفتوى في كاليفورنيا أحد طلاب الشيخ، و قد خلف ذكرا طيبا لبلادنا في أقصى الغرب الأميركي.

و خلاصة القول إن العلماء الشناقطة اجتازوا بعلمهم عباب المحيط الأطلسي، الذي وقف يوما سدا أمام فتوحات عقبة بن نافع الفهري، ليعبره الشنقيطي مكملا سيرة سلفه! 


بقلم: إسلم ولد محمد الكبير

انجاكو تلك المدينة الحدودية،والجيب الحيوي في منطقة التقاء النهر بالمحيط..
عوامل عدة تضافرت لإفقار المدينة وعزلتها رغم غنى وسطها الطبيعي وموقعها الاستراتيجي..إنها مثال صارخ لتقاعس الإنسان وتراجعه أمام سطوة الأقدار وجبروت الطبيعة..
حازت من المدن الساحلية مزايا العطش وبوار التربة.. فزهدت في النماء البحري والرواج التجاري، كما أخذت من مدن النهر فساد الهواء ووعرة الطريق راغبة عن خصوبة التربة وثراء المعيشة ومع ذلك فإن لساكني المدينة كلمتهم، ولأبناء تلك الأرض حضورهم وتأثيرهم الذي أبى إلا أن يظل شامخا كالطود رغم منغصات العيش وعوادي الزمن..
إنها بحق ملحمة لصراع الإنسان للبقاء...وعنوان نضاله من أجل العيش...

خداع النظر
إن الطبيعة الساحرة لمنطقة النهر بتنوعها النباتي والحيوي سرعان ما تتكشف عن وجه أكثر قتامة وأقل جذابية كلما اقتربت مصارف النهر ومجاريه من الشاطئ، وتدافعت تياراته لتلفظ أنفاسها على شاطئ المحيط مفصحة عن حكمة دفينة وتاركة رسالة ضمنية-ربما –فحواها: أن الماء ليس دوما مصدر الحياة والنماء، فالتربة المالحة عصية على الاستصلاح والتعمير بقدر استعصاء العقليات الجامدة على التغيير والمرونة..
فيما تعلن طيور البجع والبط والنوارس المحلقة على ارتفاعات منخفضة في فضاء بحيرة "دولكين" عن حقيقة أخرى أن لا مكان للثدييات والحيوانات البرية، فالتربة رياء زلقة والمسالك البرية شحيحة وعرة، والطريق منعرجات طينية بين أشجار الصمغ والنباتات والحشائش، تعلو أحيانا للتوسد دعامات ممهدة من الطين والرمل، فيما تهبط أخرى لتحاذي البرك الآسنة أو المستنقعات الراكدة التي اتخذتها النباتات والحشائش البرية وطيور البحر ملاذات ومستعمرات عانقت زرقة المياه فيها اخضرار النبات وتناثرت فيها أعشاش البط كقطع جيرية صغيرة ناصعة البياض.
جذابة المكان وخلابته لا تسلم من تناقضات حيث تتراءى كثبان الشاطئ الرملية كلما أمعنت في السير إلى الشاطئ، وتصبح منحنيات الطريق خطرة أحيانا تحت رحمة رمال الشاطئ الزاحفة ومد البحيرات المائية الضحلة.
حينها ستدرك أنك صرت في محيط مقاطعة كرمسين والتجمعات السكانية التابعة لها والتي اتخذت مواقعها فوق تلال الأرض ومرتفعاتها تاركة الوهاد والمنخفضات مرتعا للأشجار الشوكية والخنزير البري.
فوق أحد هذه التلال على شاطئ المحيط تقع مدينة انجاكو، بسواري قاعدتها البحرية السامقة، ومبانيها الداكنة مولية وجهها شطر النهر، ومعطية ظهرها إلى المحيط ربما في إشارة إلى طبيعة النهر الغادرة وتيامنا بهدوء المحيط ووداعته.
الطبيعة الخاصة للمنطقة فرضت نوعا من التعايش الثقافي بين الزراعة الموسمية للأنهار وممارسة الصيد كمهنة قارة لسكان الشواطئ، لكنها كانت حاضرة بشكل آخر كتقليد إداري يقضي بأن لا يتولى إدارة المركز غير ضابط في سلك البحرية، وأن تتولى العناصر البحرية في تلك القاعدة مختلف المهام الأمنية والإدارية، هذا طبعا إلى جانب وحدة للجمارك تتولى مسؤولية الضبط والأشراف على واردات هذا المنفذ الحدودي.
ومن هنا لم يكن غريبا أن يكون منزل الحاكم ومبنى البلدية أول ما يطالع النظر إلى يمين الطريق المؤدي إلى المدينة، لتتناثر بعد ذلك مساكن المدينة ومنازلها عاكسة نوعا من التقارب في مستويات المعيشة والتطلعات.
وحدها المباني الإدارية ومنزل الحاكم تمتلك سقوفا من الأسمنت المسلح، في غابة من سقوف الصفيح وجذوع الأشجار والنباتات، كما أنها وحدها كذلك من يمتلك خزانات أسمنتية للمياه، تمدها صهاريج متنقلة ، ووحدها أيضا المباني التي تتفرع إليها ممرات ممهدة من الطريق الرئيسي، عاكسة بذلك –ولو بشكل ضمني -أبرز مشاكل المدينة وأحوج منغصات العيش فيها إلى التدخل (مشكل المياه والعزلة)
انجاكو مشكل العزلة ونقص مياه الشرب:
حسب العديد من سكان المدينة فإن هاتيتن المشكلتين تتربعان على قائمة احتياجات السكان وإن بدرجات متفاوتة فالماء الشروب مطلب حيوي طيلة أيام السنة فيما يختلف طرح مشكل العزلة حسب فصول السنة ومواسمها،فيكون أكثر إلحاحا في موسم الأمطار وفيضان النهر،حينها تتحول المسالك إلى مستنقعات موحلة تغمرها المياه،ويطمرها الوحل،وتصافح مياه النهر رمال الشاطئ ضاربة طوقا من العزلة على مداخل المنطقة، وتصبح الزوارق النهرية الصغيرة أداة السفر ووسيلة النقل الأولى خاصة صوب المناطق السنغالية المجاورة التي يزداد الاعتماد عليها في هذه الفترة لتصبح المصدر الأول لتزويد المنطقة بالمؤن والمياه.
وكانت المدينة في السابق منطقة نشطة لتهريب البضائع والسلع بالتمالؤ مع الجمارك تارة وأخرى بالرغم منها، لكن منذ فترة ومع تكثيف نقاط الرقابة والتفتيش فإن هذا النشاط بدأ يعرف التراجع والتقهقر كما يقول أحد المواطنين، مضيفا إن محلات بيع المواد الغذائية قليلة جدا وتوفر بعض السلع الأساسية بأسعار مرتفعة وعلى سبيل المثال يبلغ سعر كلغ السكر 150 أوقية، فيما يبلغ متوسط سعر كلغ اللحم 1000أوقية مع تذبذب توزيع المتوفر منه حيث يتولى هذه المهنة في الغالب تجار من خارج البلدة، يوفرونها بحسب الطلب لا الحاجة.
وتبقى مياه الشرب مشكل السكان الأول خاصة الوافدين من خارج المدينة كما يقول أحد المدرسين بإعدادية انجاكو مضيفا أن فوضوية أسواق المدينة وانتهازية التجار ساهمت في الحد بشكل كبير من توفر المواد الغذائية الأساسية والمضاربة أحيانا في أسعارها، كما أدى من جهة ثانية إلى هجرة بعض السكان واستقرارهم في مدن أخرى، مستدلا في هذا الشأن بما وقع في قطاع الصيد البحري ذلك أنه رغم غنى شواطئ المدينة بالأسماك إلا أن انعدام البنى التحتية من كهرباء ومصانع أدى إلى هجرة صيادي المدينة، واعتماد السكان على النوعيات الرديئة من السمك في وجباتهم الغذائية وهي نوعيات يتم اصطيادها أساسا من فروع النهر.
من جانبه يؤكد أحد السكان على الوضعية الغذائية الحرجة للمدينة والقرى التابعة لها قائلا"إن استهدافها من قبل برامج مفوضية الأمن الغذائي أكبر دليل على حاجة السكان وفقرهم مضيفا إنه بحسبة بسيطة يظهر لنا حجم المعاناة إذا علمنا أن عدد الأسر المستفيدة من مساعدات المفوضية حوالي 2000 أسرة من أصل 4500 نسمة هي العدد الإجمالي لسكان المركز.
تجهيزات شحيحة وضعف في التمدرس
من المشاكل المطروحة للسكان كما عبر عن ذلك أحد إداريي المدرسة ضعف التجهيزات المدرسية، فإعدادية المدينة بدون مباني وما زالت تستضيفها إلى اليوم إحدى المد راس الابتدائية، ولم ير السكان من مشروع إنشائها سوى كوخ خشبي صغير تمت إقامته في مكان غير بعيد من بلدية المدينة.
مضيفا أن هناك ارتفاعا في تسرب التلاميذ وتركهم للدراسة نتيجة صعوبة العيش وبعد القرى التي يعيشون فيها من المدينة، كما أن العزلة وتأثر المنطقة بأجواء منطقة النهر المبوءة بالملا ريا أدى إلى عزوف المدرسين وهجرهم للمدينة.

العمدة:"هناك الكثير من المشاكل":
وللتعرف على أوضاع العيش في المدينة وتصور أهم المشاكل المطروحة التقينا عمدة أنجاكو عمرو كي الذي يشغل هذا المنصب منذ 1994 حيث قال: إن المدينة تشكو عديد المشاكل التي من أبرزها طوق العزلة المضروب على المدينة لاسيما في موسم الأمطار بدء من يوليو وحتى أكتوبر، حيث أدى هذا الواقع إلى تفاقم مشكلة النقل فالمسافر إلى روصو مثلا لابد أن يبحر أولا إلى سان لويس في السنغال ومنها إلى روصو سينغال قبل الوصول إلى بغيته، وإن اختار طريق المحيط فعلى المسافر المرور أولا بانوا كشوط قبل السفر برا إلى روصو،مضيفا إن من مظاهر ضعف البنية التحتية انعدام الطاقة الكهربائية مما أدى إلى تقويض قطاع الصيد والمهن المرتبطة به، فهاجر الصيادون إلى مدن أكثر جذبا مثل انواكشوط وانواذيبو، وهو ما أثر أيضا على الأوضاع المعيشية للعديد من الأسر في ظل ارتفاع الإعالة فالعديد من هؤلاء يعيل أسرتين إحداهما تذهب عادة مع الصياد فيما تبقى الأخرى بالمدينة لممارسة بعض الأعمال البسيطة.
وعن مشكل المياه قال العمدة:إنها يتم جلبها إما من مدينة سان لويس السنغالية 17كلم أو من بحيرة جاما، فيما يتم استخدام مياه الآبار الجوفية المالحة في غير الشرب، مؤكدا على الأمل الذي يمثله مد أنابيب المياه من قرية "بيرت" لسكان أنجاكو حيث وصل هذا المشروع -الذي بدأ في مايو 2005 -إلى مشارف المدينة.
أنجاكو بطاقة تعريف
الموقع :
تقع في منطقة دلتا النهر السنغالي يحدها من الجنوب والجنوب الشرقي النهر السنغالي ومن المغرب المحيط الأطلسي ومن الشمال والشمال الشرقي الحظيرة الوطنية داولينك، تبعد حوالي 152كلم من عاصمة الولاية روصو
الحالة الإدارية:
مركز إداري تابع لمقاطعة كرمسين
عددا لسكان: حوالي:4500 نسمة
الموارد وأهم القرى:
:الصيد التقليدي –السياحة حظيرة دولينك -زراعة الخضروات في منطقة أسبيخات وبيرت وأزريبه وأبدن، بالمدينة مستوصف صغير ومدرسة من ست فصول وإعدادية تم تأسيسها في العام99-2000< م الراية

المحور الثاني : الطرق الصوفية في بلاد شنقيط
دخلت هذه البلاد الشنقيطية عدة طرق صوفية، سيطرت كل واحدة منها على مجموعة قارة أو من البدو الرحل، ويبدو أنها قد جاءت في فترات زمنية متقاربة وعلى أيدي شيوخ مغاربة.
وبما أن هذه الصحاري مفتوحة وشيوخ التصوف يتنافسون في نشر طرقهم فإن تحديد أولها وصولا إلى هذه الديار يبدو شاقا إن لم يكن مستحيلا، ومع ذلك يعتقد الكثير من الباحثين في هذا المجال أن أولها وصولا: الطريقة القادرية فالشاذلية وأخيرا التيجانية بالإضافة إلى طرق أخرى أقل انتشارا من سابقاتها.
- الطريقة القادرية
تعتبر هذه الطريقة من أهم الطرق الصوفية وأوسعها انتشارا في العالم الإسلامي، وابلغها تأثيرا فكريا واجتماعيا وسياسيا في الكثير من البلدان وفي هذا البلد بالخصوص .
والقادرية منسوبة إلى مؤسسها سيدي عبد القادر الجيلاني المتوفى "561 هـ-1167م" وقد انتقلت طريقته إلى المغرب عن طريق أبي مدين شعيب الأنصاري الأندلسي "ت594-1198م"، وأخذها عن شعيب الأنصاري عبد السلام بن مشيش الذي انتشرت على يده بصفة محدودة، وسوف يبذل الشيخ محمد عبد الكريم المغيلي التلمساني التواتي "ت 940هـ/1533م" جهودا كبيرة في نشر القادرية، فقد زار بلاد السودان ومنطقة منحنى نهر النيجر وكان وفيا لمرجعيته الفكرية ونشر القادرية حيثما حل، وعنه أخذها من هذه البلاد الشنقيطية الشيخ سيدي أعمر بن الشيخ سيد أحمد البكاي الكنتي "ت959هـ- 1552م" الذي ينسب إليه تأسيسها في السودان والصحراء.
وتنقسم القادرية في البلاد الشنقيطية إلى شعبتين كبيرتين هما :
أ- البكائية الكنتية : وهي منسوبة إلى مؤسسها الشيخ سيد أعمر بن الشيخ سيد أحمد البكاي الذي زار توات عدة مرات ولقي المغيلى وتتلمذ عليه ردحا من الزمن في بداية القرن 10 هـ إلا هذه الشعبة لم تبلغ أقصى مراتب الازدهار والانتشار إلا مع الشيخ سيدي المختار الكنتي (ت 1226هـ - 1821م) والذي يعد بحق مؤسس التصوف الطرقي في البلاد الشنقيطية.
وإلى البكائية ينتسب الكثير من الإعلام العلماء من مختلف مناطق البلاد من أمثال : الشيخ سيديا الكبير الذي أخذها عن الشيخ سيدي المختار الكنتي ثم عن ابنه الشيخ سيدي محمد، والشيخ أحمد بن حبيب الرحمن التندغي، والشيخ أحمد بن سليمان الديماني، والقاضي بن الحاج الاجيجبي وكذلك الشيخ محمد المامي الباركللي، ولمرابط بن عبد الفتاح التركزي وغيرهم كثير.
ومن اختلاف المناطق التي جاء منها تلاميذ الشيخ سيدي المختار الكنتي وأهمية الأدوار التي قاموا بها فيما بعد يتضح أن هذا الفرع من القادرية في شنقيط كان دائما في قمة الهرم الديني والسياسي، حيث يبدوا أن العلماء الذين حملوا الهم العام على أكتافهم كان الكثير منهم شيوخا في هذه الطريقة فالدور الذي قام به الشيخ سيد المختار الكنتي من إصلاح بين المتخالفين وعزل وتولية للأمراء وخاصة في منطقة ازواد كلها أمور تدل على ذلك الدور، ولم يكن الشيخ سيديا الكبير في منطقة القبلة إلا مثالا آخر على التأثير القوى للبكائية القادرية في بلاد شنقيط .
ب- الفاضلية : هي الشعبة الثانية من القادرية في بلاد شنقيط وكونها ثانية لا يعني أنها جاءت بعد البكائية، إذ يعتقد البعض أن تأسيسهما كان متزامنا، والفاضلية منسوبة إلى الشيخ محمد فاضل بن مامين القلقمي "1780- 1869م" الذي نشأ في منطقة الحوض الشرقي، ومن هناك انتقل إلى قرية اجريف الواقعة شمال مدينة شنقيط بولاية آدرار.
وزع الشيخ محمد فاضل بن مامين أبناءه في مناطق البلاد وحمل كل منهم لواء الفاضلية القادرية، حيث كان الشيخ سعد أبيه في الترارزة وما حولها وخاصة على الضفة اليسرى للنهر، والشيخ ماء العينين في أدرار والصحراء وفي الجنوب المغربي، أما سيد الخير فبقي في الحوض ومنه ظل وفيا لصلات الأسرة بالسودان، ومن هذا التوزيع الذي قام به الشيخ محمد فاضل لأبنائه تتضح نيته في نشر الفاضلية في أوسع مجال ممكن داخل البلاد الشنقيطية والبلدان المجاورة.
تحقق للشيخ محمد فاضل مبتغاه فاتسع مجال الفاضلية وكثر مريدوها واشتهر أبناءه شهرة كبيرة وحازوا مرتبة عالية في قمة الهرم الديني والاجتماعي وحتى السياسي.
وقد أصبح الشيخان ماء العينين وسعد أبيه من أشهر شخصيات الفاضلية على الإطلاق وحتى من أشهر شيوخ القادرية الذين اهتموا بقضية السيطرة الاستعمارية على البلاد الشنقيطية، سواء كان بالقبول والموالاة أو بالرفض والمحاربة
ومن أشهر الشخصيات العلميات التي أخذت الورد الفاضلي القادري الشيخ المجتبى بن خطري البصادي الذي أخذه عن الشيخ ماء العينين، والشيخ أحمد أبو المعالي التاكاطي والشيخ التراد بن الشيخ العباس الحضرمي الذين أخذاه عن الشيخ سعد أبيه، وقد أخذه كذلك الشيخ محمد عبد الله بن أده البصادي عن الشيخ التراد .
- الطريقة الشاذلية
وتنسب هذه الطريقة إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي، وهو علي بن عبد الله الشاذلي المولود سنة 571هـ في صعيد مصر، وقد دخلت الشاذلية إلى البلاد الشنقيطية عن طريق شيخين مغربيين هما :
- احمد زروق المتوفى سنة 963 م.
- محمد ناصر الدرعي المتوفى سنة 1036م.
وبهذين الشيخين تمر السلسلة المحلية للطريقة الشاذلية وهي طريقة نخبوية محدودة الانتشار بين العامة إذا ما قورنت بطرق أخرى مثل القادرية.
ويبدوا أن أغلب المنتسبين إليها من العلماء والفقهاء الذين حازوا المراتب العليا في العلوم الشرعية، ومن أشهر العلماء الشناقطة الشاذليين سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، وتلميذه الطالب أحمد بن أطوير الجنة، وأتشفغ الخطاط، وزائد المسلمين التاشدبيتي. الخ.
وقد دخلت الشاذلية إلى البلاد في القرن 10هـ مما يعني تزامن دخولها مع دخول القادرية ويشير الخليل النحوي في المنارة والرباط إلى أنه يمكن أن تكون قد دخلت قبلها ويقسمها البعض إلى :
أ‌- المتالية : وهي منسوبة إلى الشيخ محمذن فال بن متالي التندغي العالم الجليل والشاعر الأديب الذي اشتهر بالدعوة إلى طلب العلم وتعليمه، المولود سنة 1205هـ و المتوفى سنة 1287هـ.
ومن أشهر تلاميذته الشيخ محمد فال المختار بن آلما الديماني، ويحظيه بن عبد الودود، واشتهرت الشاذلية عموما بالاعتماد على طلب العلم في المقام الأول وبتحريم الدخان وكان لها موقف واضح من متعاطيه ومن أمور آخرى اختصرها الشيخ محمد الحسن بن الددو في :
- عدم التدخين أو الإعانة على تعاطيه أو الصلاة خلف متعاطيه
- عدم نوم الصبيحة
- عدم الإكثار من الهذر في القول والعمل مع الحيطة في الورع.
وهذه الأمور يجب أن يلتزم بها مريدو الشاذلية أمام شيوخهم.
ب‌- الاغظفية : وتنسب إلى الشيخ محمد الاغظف الداودي الجعفري المتوفى سنة 1218هـ ، وهو رجل موصوف بالورع والزهد والتعبد إلى أخر ذلك من الصفات الطيبة إلا أن المعلومات الدقيقة عنه تكاد تكون معدومة.
يصفه الكثير من مشايخ الفاضلية فيثنون عليه وهو ما يشير إلى احتمال اتصال السند الفاضلي القادري بهذا الشيخ.
ويوصل صاحب أطروحة "القادرية في موريتانيا عرض ونقد" سند الاغظفية إلى محمد ناصر الدرعي مما يعني أنها فرع ثاني للشاذلية في البلاد الشنقيطية ويؤكد أن ما ذكره الخليل النحوي من أنها مزيج بين القادرية والشاذلية غير وارد.
ومن أشهر المنتسبين إلى هذه الطريقة الشيخ محمد أحمد الغزواني البصادي والشيخ أحمد بن الطالب بن نوح البصادي، والشيخ المحفوظ بن بيه، الذي أخذها عن عمه الشيخ محمد محمود.
وقد اهتم الفرنسيون بهذه الطريقة اهتماما خاصا وكتبوا عنها العديد من الأبحاث ويعتقد الخليل النحوي أن سر ذلك الاهتمام يعود إلى أمور ثلاث .
- إنها طريقة شنقيطية المنشأ
- أن الشريف سيدي بن مولاي الزين قاتل كبولاني ينتسب إليها
- أنها نظمت هجرة جماعية إبان دخول الاستعمار الفرنسي إلى البلاد الشنقيطية
وما يلاحظ من خلال المراجع المتوفرة أن هذا الفرع من الشاذلية يلفه غموض شديد فمشائخه لا يحبون تقديم معلومات عن طريقتهم، وأغلب مريديهم من العمال الذين لا صلة لهم بالعلم عكس المتاليين الذين يشترطون التفقه لإعطاء الورد الشاذلي.
والاغظفية مزيج بين الطريقتين القادرية والشاذلية وقد تبين أنها ناصرية درعية والدرعية زروقية شاذلية قادرية هي الأخرى.
- الطريقة التيجانية
وتنسب إلى أبي العباس أحمد محمد المختار بن محمد سالم التيجاني "1150-1235هـ" وتعبر من آخر الطرق الصوفية وصولا إلى البلاد الشنقيطية، وقد تلقاها عن مؤسسها بفاس عدد من الشناقطة من أمثال الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن حبيب العلوي، والذي يبدوا أنه عاد إلى البلاد سنة 1220هـ وإليه يعود الفضل في نشر التيجانية في هذه البلاد وقد بدأ بأبناء عمومته.
كما تلقاها عن سيد احمد بن محمد سالم التيجاني أحمد ومحمد أبني الإمام سيد عبد الرحمن الوداني الشنقيطي وكذلك أخذها سيد مولود فال عن الشيخ محمد الحافظ. وفروعها الأساسية في البلاد الشنقيطية هما التجانية الحموية نسبة إلى حماه الله التيشيتي الذي وقف ضد الاستعمار الفرنسي، والتجانية الحافظية نسبة إلى أول من نقل تعاليم الطريقة التجانية إلى بلاد شنقيط وغربي إفريقيا العلامة عبد الحافظ العلوي
وقد انتشرت الطريقة التيجانية انتشارا واسعا في إفريقيا الغربية ومن أشهر مشائخها هناك الشيخ إبراهيم الكولخي الذي ازدهرت وبلغت أوج انتشارها على يده في مناطق السنغال والسودان عموما، وإلى التجانية ينتسب الحمويون كما قلت أنفا إلى الشيخ أحمد حماه الله التيشيتي وهو الذي ناصب الفرنسيين العداء، وتزعم ثورة كبيرة ضدهم في المناطق الشرقية من البلاد أدت بفرنسا إلى نفيه حيث مات في ظروف غامضة حوالي سنة "1943م".
ويعود الفضل إلى الطريقة التيجانية في نشر الإسلام في أجزاء كبيرة من إفريقيا الغربية وقد حارب بعض مشائخ هذه الطريقة الاستعمال الأوروبي في مناطق مختلفة من القارة.
ومع أن دعاة هذه الطرق الصوفية الكبيرة التي سيطرت على المجال الشنقيطي نسبيا والتي تحدثنا عنها سابقا، ظهرت طرق أخرى كانت أقل أهمية من حيث الانتشار والأداء العام مثل : الصديقية والخضرية وهي طرق تتصل بالطرق السابقة.

- الاستنتاجات :
نستنتج مما سبق ذكره أن المراحل التاريخية للتصوف الإسلامي بدأت أولا بالتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن إبتداءا من المرحلة الثانية أخد الزهد وحب الله منحى فلسفي وبعد ذلك أخذ التصوف الإسلامي يجنح إلى الفكر والتأمل فظهرت المقامات والاصطلاحات الصوفية وبعدها أخذ التصوف ينتشر على نطاق واسع.
وفيما يتعلق باستنتاجنا حول الزوايا "أو المتصوفة" فقد أثروا في بلاد شنقيط، والمجتمع الإفريقي بصفة عامة تأثيرا بالغ الأهمية، وفي مختلف المجالات، وخاصة الجانب الديني والفكري. للطرق الصوفية في بلاد شنقيط وغربي إفريقيا.
لقد كان المجال الصحراوي قبلة أمام المتصوفة الذين وفدوا على البلاد الشنقيطية من كل حدب وصوب، واستقبلهم الأهالي بحفاوة وإقبال منقطع النظير.
وقد استمر المتصوفة في أداء أدوارهم الدينية والثقافية بل يمكن القول إن هذا الدور قد بلغ أقصى مداه في القرون الأربعة الأخيرة، وانتشرت معالم التصوف في أرجاء المجال الشنقيطي.
كما أبلى المتصوفة بلاء حسنا في التصدي للمستعمر الفرنسي الذي حاول تأسيس مدارس فرنسية محل المحضرة "الجامعة الأهلية العتيقة".
وقد قال في ذلك الرائد الفرنسي تشادي "وهو من منظري الاستعمار الفرنسي في بلاد شنقيط" : إن مقاومة الاستعمار الثقافي اقترنت بحماس ديني عارم، فقد ازداد البيضان تمسكا بالإسلام وتطبيقا لشعائره خلال فترة الاستعمار وكانوا في حماسهم يقظين لا يخدعون بسهولة .
وكذلك نستنتج من خلال تحليلنا للتصوف الشنقيطي أنه مع ظهور الشيخ سيديا المختار الكنتي عرف التصوف الشنقيطي منعطفا حاسما إذ عرفت البلاد التصوف الطرقي في أبهى حلله على يديه وظهرت الأربطة والزوايا، وأخذ عنه أعلام الورد القادري البكائي، وحملوه إلى كل مناطق البلاد لتنتشر القادرية في بلاد شنقيط.
ولم تكن الطريقة الشاذلية أقل أهمية وأن كانت أقل انتشارا وذلك لاعتبارها طريقة نخبوية إنتمى إليها أعلام أمثال سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم، ومحمذن فال ولد متالي، ويحظيه ولد عبد الودود، والشيخ الغزواني البصادي.
أما الطريقة التيجانية فقد جاءت متأخرة عن سابقاتها ومع ذلك كان دورها كبيرا في نشر الإسلام في منطقة الغرب الإفريقي، وانتمى إليها مشائخ ناهضوا الاستعمار من أمثال الشيخ حماه الله التيشيتي الذي قارع الفرنسيين وأثار حمية القبائل ضدهم بالشرق الشنقيطي مما اضطرهم إلى نفيه عدة مرات.

البيبليـوغرافيـا

1- أبو الحسن: الشاذلي، درة الأسرار وتحفة الأبراز، جمع ابن الصباغ المكتبة الأزهرية للتراث، القاهر 1988.
2- أبو العباس البوني، منبع أصول الحكمة، مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة/ 1988.
3- أبو العباس المنوني، شمس المعارف الكبرى دار المنار، تونس،1990.
4- أبو القاسم الحفناوي، تعريف الخلق برك بكرامات برجال السلف مؤسسة الرسالة، دمشق 1985 .
5- أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، الطبعة الثالثة، تحقيق محمود أمين النواوي، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة 1992 .
6- أبو حامد الغزالي، المتقد من الضلال، الطبعة الثالثة تحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر القاهرة 1988.
7- أبو حفص السهروردي، فوارق المعارف، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية، يرون 1986.
8- حماه الله ولد السالم: موريتانيا في الذاكرة العربية، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005.
9- الخليل النحوي: بلاد شنقيط المنارة والرباط، المنظمة العربية للتربية والثقافية والعلوم، تونس 1987.
10- محمد الأمين ولد سيد أحمد : السلطة والفقهاء في إمارة الترارزة، ط1، المنار، أنواكشوط، 2003.
11- محمد الداه أحمد : القادرية في موريتانيا عرض ونقد، بحث لنيل درجة الماجستير في العقيدة، كلية الدعوة وأصول الدين جامعة أم القرى، بمكة المكرمة 1412هـ ج1.
12- محمد الداه احمد، القادرية في موريتانيا، عرض ونقد، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ج 1، 1412هـ.
13- محمد سالم ولد اغربط، القادرية الفاضلية في موريتانيا وموقفها من الاستعمار الفرنسي، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة انواكشوط، السنة 1990م.
14- محمد سالم ولد أغربط، القادرية الفاضلية في موريتانيا وموقفها من الاستعمار الفرنسي، قسم التاريخ، كلية الآداب جامعة أنواكشوط، 1990-1991.
15- محمد الأمين ولد سيد أحمد، السلطة والفقهاء في إمارة الترارزة، ط1، مطبعة المنارة، لكصر، أنواكشوط، موريتانيا، 2003م.


 
بقلم: بوبكر ولد محمد

يتمثل الحدث السياسي الأبرز في مقاطعة كرمسين هذه الأيام في النشاطات المحمومة لحزب الوئام، ليس فقط على مستوى المقاطعة و قراها المختلفة، و إنما في انضمام مجموعة (دار السلام – انتارشه) المؤثرة للحزب، مشَكلة بذلك رأس الحربة في ما يتعلق باستدراج منظم في صالح حزب الوئام، نظرا لما تمثله هذه المجموعة من المرتكزات التالية:
أولا: في العمق الإستراتيجي الذي يمثله هذا الفرع في النسيج الإجتماعي للقبيلة
ثانيا: فيما يمثله انضمامها من تداعيات تنسحب على مجموعات و كتل أخرى في المنطقة تعيش نفس الوضعية
ثالثا: في ما تعتبره مجموعة (دار السلام – انتارشة) حسن اختيار من حزب الوئام لمرشح في النيابيات يمثل شبكة كاملة من العلاقات المتشابكة و المصالح المشتركة لكافة المجموعات في مقاطعة كرمسين.

قال الملك يوما لرعيته غاضبا كيف تعصون أمري لماذا تخرجون من دون أدنى؟ أما علمتم أن هذه الأرض وما عليها من صنعتي؟ وهذه البحار (النفط) التي تجرى من تحتها ملكي – أن هو إلا مكر مكرتموه في المدن وأعانكم عليه رجل طريد(ابن لادن).

لأذبحن أبنائكم وأبيدن عشائركم واحرقن أرضكم ولن أقبل بغيري ملكا عليكم ولسوف ازحف عليكم من الصحراء وأحرر الأرض بيت بيت دار دار زنقة زنقة فرد فرد شبر شبر.

فما أنا بالرجل المتفهم الذي تفهم وهرب ولا الرجل الواعي الذي وعى وترك ملكه فإما أن أبقى ملكا عليكم أو أفنيكم عن بكرة أبيكم.

بين فهم زين العابدين ووعى مبارك لم يتحل القذافي بفهم ولا وعى يخرج به بني جلدته من مأزق أدخلهم فيه منذ أربعين عاما حينما قام بالإطاحة بملك إدريس السنوسي واعدا إياهم بالديمقراطية والحكم الرشيد والحرية التي تسمى بها هو ومجموعته بالضباط الأحرار كما يزعمون، هذه المجموعة التي لم تدرك إلا في وقت متأخر أن كبيرها مصاب بجنون العظمة فلم تفهم ولم تعي إلا بعد فوات الأوان بعدما صار ملك الملوك وحكيم العالم كما يدعوه المتملقون.
يجند المرتزقة لقتل شعب أبى كريم فقط من اجل أن يبقى هو على هرم السلطة.

أربعون عاما من الصبر على الاضطهاد وكبت الحريات انتفض أحفاد عمر المختار - ذالك البطل الشهيد الذي قال لشانقيه إن عمري سيكون أطول من أعماركم جميعا – انتفضوا ليقولوا للقذافي - ويؤكد ذالك تاريخهم -أنهم أمة اكبر من أن يختزل تاريخها الذي يمتد قرونا وحقبا في شخص القذافي الذي لم يكن لهذه الأمة أي حق عليه وإنما له عليها أن يحكمها حسب هواه ومشيئته وبدون دستور وبدون قانون حيث لا أحزاب سياسية فى ليبيا ولا هيئات مجتمع مدني وإنما هي المؤتمرات الشعبية والهيئات الجماهيرية المؤمنة بالكتاب الأخضر الذي أملته على القذافي بنات فكر متحجر عنيد.

ومن المفارقة أن الجماهيرية لا يحق فيها للجماهير التظاهر السلمي ولا أن تقول "لا" لقائد يغلب على قوله "أن الحكم لها وليس له" إذ يقابل هذا التظاهر بوابل من الرصاص يسقط به العشرات مابين جريح وشهيد.

فقديما قيل رحم الله الحجاج ما أعدله فهل كان السنوسي ومهما كانت غطرسته وسوء حكمه ستكون أسوء مما عليه هذا الرجل اليوم، فهذا الرجل لم يقمع هذه المظاهرات رغم سلميتها بالقانبل المسيلة للدموع وهى الطريقة المعروفة عربيا ولكنه تعامل معها بطريقة إسرائيلية بامتياز، حيث لم يسلم منها لا شيخ طاعن في السن ولا امرأة ولا رضيع في الأشهر الأولى، فمتى سيكون للقذافي عقلا وحكمة يدرك بها أن منطق الثورات من حوله قال إن الشعب أبقى من حاكمه؟          


محمدن ابوه اغربظ


نشأ التصوف الإسلامي أول ما نشأ في الإسلام من التقشف والورع والتعبد والزهد والتقوى وغير ذلك من مظاهر الانصراف عن الدنيا والإقبال على الدين الحنيف مما كان عاما شائعا بين المسلمين في حياتهم الأولى[1]، وهو تجربة روحية يعيشها الإنسان ويترجمها أفعالا وسلوكا يوميا، فيكتسب خلالها خصائص وصفات تصلح فيها القلوب والجوارح فتتجرد من كل مفاتن الدنيا ومباهجها، وقد شهدت بلاد شنقيط منذ القرن 10 الهجري خاصة نهضة ثقافية شاملة قادتها تيارات صوفية، هذا الوجود الصوفي الذي عرفته بلاد شنقيط مؤخرا بعدما ظهر في المشرق والمغرب، ولعب أدوارا مازالت أصداؤها ماثلة على الساحة العربية والإسلامية بصفة عامة، ومع وجود زوايا التصوف الإسلامي في بلاد شنقيط انتشرت المحاضر "الجامعات الأهلية" في أرجاء البلاد الشنقيطية وأقبل الناس عليها بشغف فكانت لهم في رحابها رهبانية علم وجهاد ثقافي كبير وعطاء ثري "شعرا ونثرا"، ولعل ظهور الطريقة القادرية في بلاد شنيقيط متمثلة في الشيخ سيدي المختار الكنتي كانت بمثابة النواة الأولى للتصوف الطرقي في بلاد شنقيط، بالإضافة إلى الطريقة الشاذلية التي دخلت بلاد شنقيط عن طريق شيخين مغربيين هما أحمد زروق المتوفى سنة 963م ومحمد ناصر الدرعي المتوفى سنة 1036م. وأخيرا وليس أخرا الطريقة التجانية التي دخلت هي الأخرى بواسطة محمد الحافظ العلوي المتوفى سنة 1838م إلى بلاد شنقيط وغربي أفريقيا الذي يعتبر بحق أول من نقل تعاليم الطريقة التجانية إلى هذه البلاد، وانطلاقا مما سبق فإننا سنتطرق في هذا البحث إلى محورين أساسيين .


المحور الأول : المراحل التاريخية للتصوف
المحور الثاني : أهم الطرق الصوفية في بلاد شنقيط
-         الطريقة القادرية
-         الطريقة الشاذلية
-         الطريقة التجانية
-         الاستنتاجات
المحور الأول : المراحل التاريخية للتصوف
يمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مر بها التصوف الإسلامي إلى عدة أطوار وحقب:
ففي الطور الأول ويمتد إلى أواخر القرن الثاني لم يكن التصوف متميزا بمميزات تخصه، إذ كان عبارة عن التقييد بالكتاب والسنة وأتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، نهجا وسلوكا والإلتزام بالإسلام كعقيدة راسخة والخوف من الله وعقابه ولم يكن من أصحابه رضوان الله عليهم تمييز عن غيرهم، ولا أمكنة خاصة بهم، ولا اصطلاحات ولا مقامات[2].
ولكن ابتداء من منتصف هذا الطور[3]، أخذ الزهد وحب الله منحى فلسفيا مع الحسن البصري "ت 110هـ" ورابعة العدوية "ت 135هـ"، وكان من أعلام هذه الطور بعد الصحابة وبعد الحسن البصري ورابعة العدوية، إبراهيم بن الأدهم "ت 161هـ" والفضيل بن عياض "ت187هـ" وشقيق البلخي "ت 194هـ" ومعروف الكرخي "ت 200هـ" وغيرهم...
ثم جنح التصوف بعد هذا الطور إلى الفكر والتأمل وظهرت المقامات والاصطلاحات الصوفية، وأخذ الباحثون المهتمون بالتصوف في تدوين الكتب التي تعنى بشرحه وبيان حقائقه، ومن رجالاته في هذا الطور ذو النون المصري "ت245هـ"، وهو أول من تكلم في المقامات الصوفية بمصر، والحارث المحاسبي "ت243هـ" صاحب الرعاية، وبشر الحافي "ت227هـ"، وأبو يزيد البسطامي "ت261هـ"، وقيل : هو أول من تكلم في مقام الفناء، والحسين بن منصور الحلاج "ت 309هـ"، والجنيد "ت 297هـ" وهو أول من صاغ المعاني الصوفية وهذبها، حتى نسب التصوف إليه، فقيل فيه طريق الجنيد"[4].
يقول صاحب المرشد المعين: "وفي طريق الجنيد السالك"، ويصف الجنيد طريق القوم فيقول:" طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به".
ثم أخذ التصوف ينتشر بعد على نطاق واسع، وأخذت تبدو من منتحليه أقوال موهمة، غامضة المعاني، وهي ما اصطلح على تسميتها " شطحات" فأنكرها العلماء وحاربوا أصحابها، وحذروا منهم، ومن ثم أفتوا بكفر الحلاج والسهر وردي "ت563هـ"، وهكذا بدأ النزاع بينهم وبين غيرهم من علماء الرسوم والظواهر، كما يسميهم الصوفية، أو رجال الفقه والحديث.
إلى أن جاء الغزالي "ت 505هـ"، فعني بالتصوف، وشرح كثيرا من مقاماته وحقائقه، وأقر القول بالكرامات[5]، والكشف، واعتبره أفضل طريق إلى معرفة الله، وهو إنما يكون نتيجة مجاهدة وإقبال بالكلية على الله سبحانه، وجعل التصوف قوامه العمل والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وشرح في كتابه "المنقذ من الضلال "كيف اهتدى إلى التصوف، ويرى أنه العلم الوحيد الموصل إلى الله، ومن أجل ذلك هجر ما كان مشتغلا به من تدريس العلوم وأقبل بكليته عليه، وألف فيه الكتب العديدة، وأعظمها وأكبرها كتاب " الإحياء " الذائع الصيت[6].
وظهر بعد الغزالي، الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي "ت638هـ"، وكان معاصرا للشيخ عمر بن الفارض المصري "ت632هـ"، الشاعر الصوفي الكبير والإثنان أوغلا في الشطح والقول بوحدة الوجود وتبعهما في ذلك عبد الحق بن سبعين المرسي "ت 669هـ" وتلميذه الشيخ أبو الحسن علي الأندلسي أيضا "ت663هـ"، فكثر فيهم الطعن والقيل والقال، واختلف الناس فيهم من الكفر والزندقة إلى القطبانية أكبر درجات المعرفة في اصطلاح الصوفية.[7]
وسلك التصوف معهم "مسلكا فلسفيا غامضا، قل من يفهمه على وجهه وحقيقته، وهو في الواقع تصوف الخواص والعارفين، لا تصوف العوام والمريدين.
وفهمه يحتاج إلى استعداد خاص، ولذلك نهى كثير من المشايخ عن مطالعة كتب هؤلاء، إلا لمن كان ذا أهلية واستعداد لذلك، خوفا من أن تفهم على غير وجهها وحقيقتها فيضل القاصر عن القصد، ويتيه في متاهات، ربما أدت به إلى الكفر والإنحلال من الدين بالمرة، كما وقع لكثير من القاصرين الذين تطاولوا على غير مقامهم، فضلوا وأضلوا".
وهكذا أخذ التصوف "وجهة فلسفية مع هؤلاء وأضرابهم، في الوقت الذي كان فيه أبو الحسن الشاذلي الغماري "ت 656هـ" ينشر طريقته ومدرسته الصوفية القائمة على مشرب التصوف العملي، والتقيد بطريقة السلف في الزهد والعبادة والإشتغال بذكر الله، ولذلك ناصر طريقته جماعة من العلماء من أمثال :عز الدين بن عبد السلام "ت 660هـ" وغيره[8].
وألف الحافظ السيوطي في تأييدها كتاب "تأييد الحقيقة العلمية، وتشييد الطريقة الشاذلية" وهو مطبوع بمصر.
وأبو الحسن الشاذلي هو تلميذ المولى عبد السلام بن مشيش "ت 622هـ"، أخذ عنه ثم انتقل بعد ذلك إلى تونس، واستقر بشاذلة فنسب إليها، ثم انتقل منها إلى مصر، واستوطن الإسكندرية حوالي سنة 642هـ، فحصل عليه إقبال كبير، وأخذ عنه خلق كثير، منهم : عز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، والشيخ أبو العباس المرسي "ت686هـ"، الذي صحبه من تونس، وهو أجل تلامذته، ووارث سره وخلفه من بعده، وهو صاحب المشهد الكبير بالإسكندرية، والشيخ البوصيري صاحب البردة والهمزية، وابن عطاء الله صاحب الحكم.
ولم يزل أبو الحسن مستوطنا بمصر إلى أن مات بها وهو في طريقه إلى الحج، وعلى قبره قبة ومسجد، رغم أن الموضع صحراء وقفار.
وهو صاحب الطريقة التي تعتبر من أكبر الطرق الصوفية وأكثرها انتشارا في المعمورة. وعنها تفرعت سائر الطرق الصوفية بالمغرب"[9].
-------------------------------------------------------------------------------

[1]  أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، تحقيق محمود أمين النواوي، الطبعة الثالثة، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة 1992 ص 73.

[2]  أبو العباس البوني، منبع أصول الحكمة، مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة/ 1988، ص 43

[3]  أبو العباس المنوني، شمس المعارف الكبرى دار المنار، تونس،1990، ص 11.

[4]  مرجع سابق ص 15 الطبعة الأولى.

[5]  أبو القاسم الحفناوي، تعريف الخلق برك بكرامات برجال السلف مؤسسة الرسالة، دمشق 1985 ص 20.

[6]  أبو حامد الغزالي، المتقد من الضلال، الطبعة الثالثة تحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر القاهرة 1988، ص 8.

[7]  أبو حفص السهروردي، فوارق المعارف، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية، يرون 1986، ص 53.

[8]  أبو الحسن: الشاذلي، درة الأسرار وتحفة الأبراز، جمع ابن الصباغ المكتبة الأزهرية للتراث، القاهر 1988، ص 12 أبو العباس البوني

[9]  أبو الحسن: الشاذلي ، مرجع سابق، ص 80.

بقلم : محمد المصطفى ولد البشير
باحث في التصوف الإسلامي
Email : mohamedmostapha1@hotmail.com